سيد قطب
2627
في ظلال القرآن
ذي الجلال والإكرام ، مرتفعة مشاعرهم إلى ذلك الأفق الوضيء ، مشغولة خواطرهم بنجاء اللّه ودعائه والتوجه إليه في محضره العظيم . ويؤتون الزكاة . . فيطهرون نفوسهم من رذيلة الشح ؛ ويستعلون بأرواحهم على فتنة المال ؛ ويصلون إخوانهم في اللّه ببعض ما رزقهم اللّه ؛ ويقومون بحق الجماعة المسلمة التي هم فيها أعضاء . وهم بالآخرة هم يوقنون . . فإذا حساب الآخرة يشغل بالهم ، ويصدهم عن جموح الشهوات ، ويغمر أرواحهم بتقوى اللّه وخشيته والحياء من الوقوف بين يديه موقف العصاة . هؤلاء المؤمنون الذاكرون اللّه ، القائمون بتكاليفه ، المشفقون من حسابه وعقابه ، الطامعون في رضائه وثوابه . . هؤلاء هم الذين تنفتح قلوبهم للقرآن ، فإذا هو هدى وبشرى . وإذا هو نور في أرواحهم ، ودفعة في دمائهم ، وحركة في حياتهم . وإذا هو زادهم الذي به يبلغون ؛ وريهم الذي به يشتفون . وعند ذكر الآخرة يركز عليها ويؤكد في صورة التهديد والوعيد لمن لا يؤمنون بها ، فيسدرون في غيهم ، حتى يلاقوا مصيرهم الوخيم : « إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ . أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ ، وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ » . . والإيمان بالآخرة هو الزمام الذي يكبح الشهوات والنزوات ، ويضمن القصد والاعتدال في الحياة . والذي لا يعتقد بالآخرة لا يملك أن يحرم نفسه شهوة أو يكبح فيها نزوة ، وهو يظن أن الفرصة الوحيدة المتاحة له للمتاع هي فرصة الحياة على هذا الكوكب ، وهي قصيرة مهما طالت . وما تكاد تتسع لشيء من مطالب النفوس وأمانيها التي لا تنال ! ثم ما الذي يمسكه حين يملك إرضاء شهواته ونزواته ، وتحقيق لذاته ورغباته ؛ وهو لا يحسب حساب وقفة بين يدي اللّه ؛ ولا يتوقع ثوابا ولا عقابا يوم يقوم الأشهاد ؟ ومن ثم يصبح كل تحقيق للشهوة واللذة مزينا للنفس التي لا تؤمن بالآخرة ، تندفع إليه بلا معوق من تقوى أو حياء . والنفس مطبوعة على أن تحب ما يلذ لها ، وأن تجده حسنا جميلا ؛ ما لم تهتد بآيات اللّه ورسالاته إلى الإيمان بعالم آخر باق بعد هذا العالم الفاني . فإذا هي تجد لذتها في أعمال أخرى وأشواق أخرى ، تصغر إلى جوارها لذائذ البطون والأجسام ! واللّه - سبحانه - هو الذي خلق النفس البشرية على هذا النحو ؛ وجعلها مستعدة للاهتداء إن تفتحت لدلائل الهدي ، مستعدة للعماء إن طمست منافذ الإدراك فيها . ومشيئته نافذة - وفق سنته التي خلق النفس البشرية عليها - في حالتي الاهتداء والعماء . ومن ثم يقول القرآن عن الذين لا يؤمنون بالآخرة : « زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ » . . فهم لم يؤمنوا بالآخرة فنفذت سنة اللّه في أن تصبح أعمالهم وشهواتهم مزينة لهم حسنة عندهم . . وهذا هو معنى التزيين في هذا المقام . فهم يعمهون لا يرون ما فيها من شر وسوء . أو فهم حائرون لا يهتدون فيها إلى صواب . والعاقبة معروفة لمن يزين له الشر والسوء : « أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ . وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ » . . سواء كان سوء العذاب لهم في الدنيا أو في الآخرة ، فالخسارة المطلقة في الآخرة ، محققة جزاء وفاقا على الاندفاع في سوء الأعمال . وتنتهي مقدمة السورة بإثبات المصدر الإلهي الذي يتنزل منه هذا القرآن على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - : « وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ » . .